إدارة: حول أهميّة الاجتماعات الفردية (one on one)

Treat your employees as interesting fellow humans, and you might be surprised what it does for their motivation, dedication, and engagement.

Camille Fournier

Photo by Priscilla Du Preez on Unsplash
في عملي السابق كمبرمجة وقبل انتقالي للإدارة، كان مديري حريصٌ على تنظيم اجتماع مع كل واحد منّا كلّ أسبوعين، كنتُ أشعر بالتشوّش تجاهها، ففي أحيانٍ كثيرة لم يكن لديّ شيء لأقوله أو لأشتكي منه، ومع ذلك كنتُ ميقنة بأهميّة هذه الاجتماعات بشكل أو بآخر.

وحين انتقلتُ للإدارة ومررتُ على العديد من الكتب الشهيرة في مجال الـ engineering management وجدتُ في جميعها تشديدًا على أهميّة هذه الاجتماعات، فقرّرتُ أن أتبنّاها منذ اليوم الأوّل حتّى لو لم أكن واعيةً بشكل كامل بأهميّتها.

لم يمرّ وقتٌ طويل حتّى أصبحت الاجتماعات الفرديّة من أكثر الممارسات الّتي أقيس جودة أدائي بناءًا عليها، أعرف بأنّني مقصّرة في مهامي الإدارية مقابل الانشغال في مهام أقلّ أهميّة حين ينخفض معدّل حدوث هذه الاجتماعات، وعلى الرّغم من أنّي أدير ١٦ مبرمجًا حاليًا - وهو عددٌ يجعلني أقرب بكثير إلى الـ coach منّي إلى المديرة -، إلاّ أنّ هذا لا يبرّر بالنّسبة لي أبدًا الانقطاع الطويل عن هذه الاجتماعات.

كيف تدير اجتماعًا فرديًا فعّال؟

١. قم بجدولة الاجتماعات قبل أسبوع من بدئها، قد أبدو مبالغة ولكنّي أحدّد يومًا معيّنًا في الشهر أجدول فيه الاجتماعات الفردية كي أتأكّد من تفرّغي وتفرّغ فريقي لهذه الاجتماعات.
٢. مهما كان الأمر صعبًا، حاول التواجد في وقت الاجتماع، أولاّ لأنّ عليك وعلى أفراد فريقك تقدير أهميّة هذا الوقت الثمين، ثانيًا لأنّ إعادة جدولة الاجتماع قد يكون صعبًا.
٣. قم بإعداد أجندة الاجتماع مسبقًا، سوف تجد آلاف المصادر في الانترنت بأسئلة ملهمة، ولكن احذر من نسخها بشكل أعمى.
٤. اجعل هذه الاجتماعات ذات طابع شخصيّ واختر أسئلتك حسب حالة كلّ فرد في فريقك، سوف أسرد هنا ٣ أمثلة مختلفة لاجتماعات ثنائيّة:
- عبد الله لم يأخذ إجازة منذ ٦ أشهر، يتحدّث بشكل أقلّ ممّا اعتاد الفريق عليه، يتفاعل بالكاد في الاجتماعات ولا يبدو متحمّسًا لأيّ مهام جديدة، يمكنك استغلال اجتماعك معه لتوجيه أسئلة غير مهنيّة حول هواياته وأنشطته الترفيهية وتشجيعه على تنظيم إجازة في وقت محدّد.
- مريم مبرمجة جديدة في الفريق وهذا هو أوّل اجتماع معها، يمكنك سؤالها حول انطباعها عن الفريق، ما إن كانت مشوّشة بشأن شيء ما، ما إن كانت تنتظر من الموارد البشرية أوراقًا متأخرة .. إلخ.
- رائد مبرمج في فريقك منذ عامين، أداؤه ثابتٌ منذ عدّة أشهر، لم يتحسّن بشكل كبير ولم يتراجع أيضًا، يمكنك استغلال الاجتماع لسؤاله حول خططه المستقبلية، ما الّذي يرغب في تعلّمه، هل هو راضٍ عن مهامه الحالية أم أنّه يحتاج لمهام أكثر تحدّيًا، وهكذا.
٥. لا تحصر أسئلة الاجتماع أبدًا في الأسئلة المهنيّة، اسأل الآباء والأمّهات عن أطفالهم، اسأل محبّي الرّياضة حول أدائهم الرياضيّ، والمتزوّجين الجدد حول تأقلمهم مع الظروف الجديدة، ليس لابداء اهتمامك فحسب بل لأنّك تهتمّ فعلاً.
٦. حاول الاسترخاء قبل وبعد الاجتماع، اترك مسافة ربع ساعة على الأقلّ بين الاجتماع والآخر وتحضّر لمجهود ذهني ونفسي وعاطفي هائلين، قد تبدو هذه الاجتماعات للبعض بسيطة ومجرّد ثرثرة سطحيّة لكنّها عمل مرهق إذا أدّيته بإخلاص، فالهدف منها ليس مجرّد الحديث مع صديق بل تحليل وفهم ومساعدة أفراد فريقك.



الفائدة المرجّوة من الاجتماعات الفرديّة

١. العمل البرمجي هو عمل مبنيّ على المعرفة knowledge work، من الصّعب جدًا تقييم العاملين عليه بناءًا فقط على إنجازات ملموسة أو مقاسة (عدد الخصائص الّتي يساهم الفرد في إطلاقها مثلاً)، الاقتراب من المبرمجين ومحاورتهم مباشرة يساعد على تقييم أكثر عدالة.
٢. معرفة التحدّيات الّتي يواجهها الأفراد عن قرب، خصوصًا وأنّ الكثير من النّاس لا يفصح عن الصّعوبات الّتي يمرّ بها ما لم يُسأل عنها.
٣. استيعاب مواقع الأفراد السليمة في الفريق لهدف الترقية أو لهدف تغيير المهام الوظيفية، عن طريق التقاط إشارات مثل: "ساعدني س كثيرًا في إنجاز المهمّة" أو "قرأتُ المستند الّذي كتبه س واستطعتُ حلّ المشكلة بمفردي" أو أحيانًا بشكل سلبي: "كان من المفترض أن يساعدني س ولكنّه لم يرد على أسئلتي منذ أسبوع" .. وهكذا.
٤. الكشف سريعًا عن المشاكل الثقافية الّتي يمرّ بها الفريق والسلوكيات المسمومة قبل أن تتفاقم.
٥. عنصر الـ emotional labor مهمّ جدًا في إدارة الموظفين وكثيرًا ما يتمّ الاستهانة به رغم أهميّته، دعم الأفراد نفسيًا هو مسؤولية اجتماعيّة لدى المؤسسات لا تقلّ أهميّة عن المسؤولية المادّية، والمؤسسات الّتي يعيش أفرادها في قلق وكدر مستمرّ هي مؤسسات فاشلة مهما حقّقت من نجاح مادّي.